التعزيز البرلماني والتنمية

صورة AGORA administrator

خلال التسعينيات، مع بدء تلاشي الموجة الثالثة من الديمقراطية - وهو مصطلح ابتدعه صامويل هنتنغتون لوصف سلسلة التحولات نحو الديمقراطية التي جرت في أنحاء العالم خلال السبعينيات والثمانينيات وأوائل التسعينيات، تحول اهتمام مجتمع التنمية الدولي إلى تعزيز هذه الديمقراطيات الوليدة وبدأ خبراء التنمية يعترفون بأن البرلمانات "لا غنى عنها" كمؤسسات تمثيلية في العملية الديمقراطية.  وحين سعى مجتمع التنمية إلى لتعزيز الحكم الديمقراطي، بدأ دور البرلمانات يلقى اهتماماً متزايداً لكونه الساحة التي تلبي احتياجات المواطنين فيها العمل الحكومي.  واليوم، باتت البرلمانات معترف بها على نطاق واسع باعتبارها المؤسسة السياسية الأساسية التي تضمن التنمية الديمقراطية المستدامة.

 

ترتبط المؤسسة البرلمانية الفعالة بوجود ديمقراطية قابلة للتطبيق ومجتمع مفتوح.  والبرلمانات، نظراً لمهامها التمثيلية والتشريعية، يمكنها تمكين المواطنين العاديين للمشاركة في وضع السياسات التي تشكل حياتهم.  وبسبب دورها الرقابي، تُعد البرلمانات أساسية لإرساء سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان والإشراف على شفافية عمليات الحكم وضمان الامتثال الوطني للالتزامات الدولية.  إلا أن هذه المهام لا يتم تنفيذها في البرلمان دائماً بشكل طبيعي أو فعّال، على الرغم من كونها معترفاً بها عالمياً.  وفي هذا المجال يمكن للدعم الخارجي أن يتيح الفرصة لتعزيز قدرة البرلمان على أن يكون فعالاً.

 

بالنسبة لمجتمع التنمية الدولي، فإن برامج الدعم البرلماني هي الآلية الرئيسية لتشجيع التنمية البرلمانية.  وتهدف هذه البرامج إلى تعزيز البرلمانات من أجل تعزيز إقامة حكومة تمثيلية وشفافة وخاضعة للمساءلة وفعالة.  وتقوم برامج الدعم بتنفيذ هذا الهدف من خلال توفير سبل الوصول إلى المعرفة وأفضل الممارسات الإقليمية والعالمية والمساعدة التقنية للنواب وموظفي البرلمان، إلى جانب تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات لتعزيز الهيكل الإداري البرلماني.  وفي هذا الإطار، تستفيد برامج الدعم البرلماني من مجموعة واسعة من النُهُج تبعاً للسياق واحتياجات البرلمان المعني.  ومع ذلك، هناك عدد قليل من المنهجيات الرئيسية التي تُعتبر مهمة لضمان وجود برنامج للتنمية البرلمانية يعمل بشكل جيد.

 

1. السياق:  لا شك أن فهم سياق الدعم البرلماني أمر بالغ الأهمية لنجاح أي برنامج للدعم.  وعلى مر السنين، كان هناك العديد من الدروس المهمة المستفادة:

a.      لا يمكن فصل برامج الدعم البرلماني عن النظام السياسي الذي يشكل البيئة التي تعمل فيها البرلمانات.  وقد يساعد السياق السياسي المحلي على تحديد التوقيت المناسب وتسلسل البرامج البرلمانية.  على سبيل المثال، قد يكون للدورة الانتخابية تأثير هام على اعتبارات التوقيت، لأن الانتخابات قد تحدث تغييرات على تكوين البرلمان وموظفيه.  كما أن نوع نظام البرلمان يمكن أن يؤثر على النفوذ السياسي النسبي لمختلف الجهات الفاعلة.

b.      يجب أن تكون برامج التنمية البرلمانية مراعبة للسياق السياسي الذي تعمل في إطاره.  ففي بعض البلدان، فإن العمل مع هيئات برلمانية محددة (كاللجان النوعية أو المجموعات البرلمانية) على حساب غيرها قد يتسبب في تأجيج التوترات السياسية، بحيث يفوق ضرره نفعه.  وعلى منفذي البرامج الاجتهاد لبناء توافق في الآراء بين جميع الجهات الفاعلة البرلمانية وفهم العواقب المحتملة لأنشطتها،

c.      تتطلب استدامة البرامج الملكية المحلية والمشاركة في التعزيز البرلماني.  ويجب أن يكون الدافع وراء الدعم البرلماني هو الطلب الناشئ من داخل المؤسسة أو بين المواطنين ومنظمات المجتمع المدني في البلاد.  فالمؤسسات والأفراد الذين كانت تحركهم النوايا الحسنة وضعوا عدداً كبيراً جداً من البرامج اعتماداً على مدخلات غير فعالة من المجموعات المحلية والموظفين.  كي يكون البرنامج فعالاً وموجهاً نحو النتائج، يجب أن يستند التركيز أو النتائج على الأهداف المحددة وطنياً، وأن يحظى بالدعم الكامل والالتزام من جانب جميع الجهات الفاعلة السياسية الرئيسية في البرلمان.

d.      وعلى الرغم من أن برامج الدعم يمكن أن تساعد على تعزيز السلطة التشريعية الضعيفة، فإن تقديم المساعدة إلى مؤسسة شكلية ينبغي الإقدام عليه مع العلم بأن النتائج ستكون محدودة.  وعلاوة على ذلك، وبالنظر إلى النطاق الواسع لوجهات النظر الموجودة في معظم البرلمانات، فمن المفيد تحديد عوامل التغيير والأشخاص الذين يُحتمل أن يكونوا من المناصرين أو المعرقلين للمساعدة البرلمانية.

         

2. صياغة المشاريع وتنفيذها: تتمثل الخطوة الأولى في تصميم المشروع في تقييم الاحتياجات.  ويغوص هذا التقييم أسفل السطح السياسي بغرض تحديد كيفية عمل البرلمان والتحديات التي يواجهها في تلبية توقعات المواطنين والنهوض بمهامه القانونية.  وبمجرد تحديد احتياجات البرلمان، يجب صياغة وثيقة المشروع وتنفيذها.  وهي ستشمل تعريف النتائج والمخرجات والأنشطة المحددة والواضحة التي من شأنها أن تتحقق خلال عمر المشروع.  وهناك أسئلة حاسمة أخرى تتعلق بالملكية الوطنية للمشروع، والتي يجب أن تكون متوازنة مع الحاجة إلى تحقيق النتائج والحاجة إلى تجنب الصراعات المحتملة وتصورات التحيز.  ويجب أيضا النظر في شأن الموظفين. 

 

برنامج التعزيز البرلماني الناجح هو ذاك الذي يدمج الرصد والتقييم في عمله بشكل منتظم.  فمن خلال استخدام مختلف صيغ الرصد والتقييم يمكن للبرنامج أن يحسن قدرته على دعم البرلمان وفهم ما نجح وما لم ينجح بالنظر إلى النواتج والأنشطة السابقة.

 

3. خطط التنمية الاستراتيجية:  متى كان السياق يسمح وكان البرلمان وقيادته حريصين على دفع عجلة عملية الإصلاح، يمكن أن يكون وضع خطة التنمية الاستراتيجية البرلمانية إنجازاً هاماً.  ومن خلال هذه الخطة، يجري البرلمان تقييماً لاحتياجاته الخاصة ويحدد التحديات والإصلاحات الرئيسية على مدى الثلاث إلى خمس سنوات التالية.  وبمجرد وضع الخطة، تُستخدم في قياس التقدم المحرز في المؤسسة التي تجري الإصلاحات.  كما أنها فرصة لوكالات التنمية كي تتأكد من أن الدعم الذي تقدمه يتماشى مع الخطة.  ويتزايد عدد البرلمانات التي تقوم بوضع مثل هذه الخطط كوسيلة لتوفير المساءلة أمام المواطنين والمجتمع المدني فيما يخص أهدافها لتحسين المؤسسة.

 

4. دور المجتمع المدني:  من واقع التجارب السابقة، فإن المشاركة الفعالة للمجتمع المدني في عمل البرلمان تثمر عن مؤسسة أكثر مساءلةً وتمثيلاً وتحظى بمصداقية أكبر بين المواطنين.  وهناك أدوار كثيرة يمكن أن تلعبها منظمات المجتمع المدني في أعمال البرلمان، بما في ذلك العمل كخبراء في اللجان البرلمانية، ودعم ردود فعل الجمهور أثناء عملية سن القوانين وتعزيز المساءلة.  وأحد السبل المتنامية التي تستطيع منظمات المجتمع المدني من خلالها تعزيز المساءلة هي من خلال المراصد البرلمانية.  هذه المراصد، التي تُنظم عادةً على المستوى الوطني، تصدر تقارير منتظمة وتحليلات تتعلق بالوسائل التي يقوم من خلالها البرلمان، كمؤسسة، والبرلمانيين الأفراد بعملهم ومقارنة أدائهم بالمعايير الإقليمية والعالمية. 

 

5. تنسيق المساعدات:  تنسيق المساعدات له جانبان في العمل.  فمن جهة، هناك التنسيق بين وكالات التنمية والقائمين على التنفيذ العاملين مع برلمان بعينه.  ولتجنب الإحباط الذي قد تشعر به قيادة البرلمان في التعامل مع المنظمات المختلفة الخارجية، التي تكون لكل منها إجراءاتها الخاصة في إعداد التقارير وأولوياتها المستقلة، فمن المهم العثور على وسيلة ناجحة لتنسيق هذا العمل.

 

وعلى صعيد آخر، هناك دور البرلمان في ضمان الإشراف الفعال على كيفية إيصال المساعدات داخل البلاد.  ولكون البرلمان هو الهيئة الرقابية الرئيسية داخل بلد ما، يجب أن تكون لديه الموارد والقدرة على الحصول على معلومات حول مجالات إنفاق أموال المساعدات الإنمائية الخارجية في بلد ما وما إذا كانت تُستغل بشكل فعّال.