البرلمانات وفعالية المعونات

صورة AGORA administrator

تحتل البرلمانات موقع الصدارة في دورة المساءلة المحلية. حيثما توفر المعونات الدعم المالي على أساس أطر السياسات المحلية، يكون للجهات المانحة تأثير على صياغة السياسات وعملية التنفيذ. وهذا هو الحال بالنسبة ﻟ 'إقراض سياسات التنمية' ونُهُج المعونة البرامجية وجميع المساعدات التي يتمثل هدفها الصريح في أي نوع من نتائج 'الحكم'. ودون رقابة البرلمانات والهيئات المنتخبة على طبيعة المشاركة في صياغة السياسات على الصعيد دون الوطني، قد تتسبب المعونات في تقويض المساءلة المحلية. وفي هذا الصدد، قام الاتحاد البرلماني الدولي، بالتعاون مع مرفق تنمية القدرات لفعالية التنمية (CDDE)، بوضع  وثيقة مفيدة وهي دليل للبرلمانيين حول دورهم في ضمان فعالية التنمية.

وفي الماضي، أدى انعدام الشفافية فيما يتعلق بالعمليات التي تمولها المؤسسات المتعددة والثنائية الأطراف، فضلاً عن انعدام الشفافية في عملية الميزانية المحلية، إلى تقويض الدور الذي ينبغي أن تضطلع به السلطة التشريعية في جهود المساءلة ومكافحة الفساد. ويُنظر إلى المبادرات الحالية لضمان الشفافية والمشاركة النشطة من جانب البرلمانيين في استراتيجيات المساعدة القطرية، وكذلك في برامج دعم الحد من الفقر، باعتبارها أمراً أساسياً في خلق الشفافية في شؤون السياسة وتخصيص الميزانية وقرارات التنفيذ. وبالنسبة لانتقال معونة الميزانية التي تعتمد بشكل متزايد على العمليات المحلية، تكتسب وظيفة الرقابة والمساءلة للبرلمان أقصى درجات الأهمية. وكانت المساءلة في شأن مساعدات التنمية محدودة أمام دافعي الضرائب في البلدان المانحة، وذلك بسبب طبيعة المساعدات 'الأجنبية' (انظر ورقة المناقشة: الفقر والمعونة الفساد، منظمة الشفافية الدولية، 2007).   

وفي الوقت نفسه، فالمستفيدون في البلدان المتلقية - وخصوصاً حيثما يكون السكان فقراء ومهمشين - بحكم ظروفهم ليسوا في وضع يمكنهم من مساءلة حكوماتهم نهيك عن الحكومات المانحة.  وحتى في الوقت الحاضر، تواجه البلدان التي تعتمد بشدة على المساعدات وضعاً 'مختلطاً من حيث المساءلة'. فليس بمستغرب أن ترفع بعض الحكومات تقاريرها إلى الجهات المانحة الأجنبية وتخضع لمحاسبتها في محافل مثل الفريق الاستشاري الذي يقوده البنك الدولي أو اجتماعات نادي باريس (حول الدين) بتفصيل يفوق ما تقدمه لمواطنيها من خلال الحسابات العامة. يأتي ذلك على خلفية الجهود المبذولة في "المشروطية"، ولا سيما المشروطية الاقتصادية، حيث سعت الجهات المانحة لمساءلة المتلقين. وبات من المسلم به أن المشروطية الاقتصادية، خاصة على النحو الذي كانت تُمارس به في الثمانينات وحتى أوائل إلى منتصف التسعينيات، باعتبارها مساءلة من جانب واحد، تُعد حالياً غير فعالة وغير مرغوب فيها.

إعلان باريس بشأن فعالية المعونة (الملكية والتنسيق والمواءمة وتحقيق النتائج والمساءلة المتبادلة)وبرنامج عمل أكرا (AAA) التالي له، ومنتدى بوسان الرابع الرفيع المستوى بشأن فعالية المعونة (بوسان HLF4) تُعد كلها محطات رئيسية في ترسيخ التزامات الشراكة في إطار المساءلة المتبادلة التي تعترف بأن المعونة الفعالة يجب أن تتواءم مع استراتيجيات التنمية التي تقودها البلدان.  وتهدف المساءلة المتبادلة إلى وضع علاقة المعونة على أساس تعاقدي مزدوج الاتجاه، حيث تلتزم الجهات المانحة بتقديم المعونة الفعالة ويلتزم المستفيدون باستخدام المعونة بشكل جيد.  ولا يمكن تحقيق هذه النتيجة في مجال الحكم إلا من خلال آليات متجذرة في المساءلة العامة كما يوضح الرسم البياني أدناه:

                          

                                                    

 

ويحدد برنامج عمل أكرا التزاماً واضحاً لضمان أن الهيئات التشريعية لن تُنحى جانباً في ممارسة الرقابة على استخدام معونة التنمية ويوافق على توسيع نطاق حوار السياسات بشأن التنمية على المستوى القطري:

سنشارك في حوار مفتوح وشامل بشأن سياسات التنمية.  ونحن نعترف بالدور الحاسم للبرلمانات ووبمسؤوليتها في ضمان الملكية القطرية لعمليات التنمية.  ولتحقيق هذا الهدف سوف نتخذ الإجراءات التالية:

أ) ستتعاون حكومات البلدان النامية بشكل أوثق مع البرلمانات والسلطات المحلية في إعداد وتنفيذ ورصد سياسات وخطط التنمية الوطنية.  كما ستشارك أيضاً منظمات المجتمع المدني.

ب) ستدعم الجهات المانحة الجهود الرامية إلى زيادة قدرة جميع الفاعلين في مجال التنمية - كالبرلمانات والحكومات المركزية والمحلية ومنظمات المجتمع المدني ومعاهد البحوث ووسائل الإعلام والقطاع الخاص - على القيام بدور نشط في الحوار حول سياسة التنمية وحول دور المساعدات في المساهمة في تحقيق الأهداف الإنمائية للبلدان."

ويعمل منتدى بوسان الرابع الرفيع المستوى بشأن فعالية المعونة  على الإضافة إلى التطورات التي أثمر عنها كل من إعلان باريس وبرنامج عمل أكرا من خلال الاعتراف بالمجموعة المتزايدة من الفاعلين في مجال التنمية وإقامة شراكة عالمية جديدة لاحتضان التنوع والاعتراف بالأدوار المتميزة التي يمكن أن يلعبها جميع أصحاب المصلحة في التنمية:

"ونؤكد من جديد على التزامات كل منا بتوسيع نطاق التعاون الإنمائي [و] سنستهدف زيادة الاستقلال عن المعونة...  وبينما ننشئ شراكة لزيادة وتعزيز نتائج التنمية، فسوف نتخذ إجراءات لتبسيط تأثير المصادر المتنوعة للتمويل والاستفادة منها وتقويتها لدعم التنمية المستدامة والشاملة، بما في ذلك الضرائب وتعبئة الموارد المحلية والاستثمار الخاص والمعونة من أجل التجارة والعمل الخيري والتمويل العام غير الميسر وتمويل تغير المناخ.  وفي الوقت نفسه، هناك حاجة إلى اعتماد أدوات مالية جديدة وخيارات الاستثمار والتكنولوجيا وتبادل المعرفة والشراكات بين القطاعين العام والخاص.

[...]

تلعب البرلمانات والحكومات المحلية دوراً حاسماً في ربط المواطنين بالحكومة، و أ) تعجيل وتعميق تنفيذ الالتزامات القائمة لتعزيز دور البرلمانات في الإشراف على عمليات التنمية، بما في ذلك من خلال دعم تنمية القدرات اعتماداً على الموارد الكافية وخطط عمل الواضحة؛ ب) مواصلة دعم الحكومات المحلية لتمكينها من الاضطلاع بأدوارها المذكورة أعلاه بشكل كامل والتي تتجاوز تقديم الخدمات، مما يعمل على تعزيز المشاركة والمساءلة على الصعيد دون الوطني."

وهكذا يتضح أن المساءلة المتبادلة حول فعالية المعونة وملكية الدولة وزيادة الشراكة في التعاون والتنسيق هي عناصر أساسية في برنامج عمل المعونة الدولية. 

ويقابل ذلك التركيز على الملكية الوطنية ضغط متزايد على الحكومات من أجل شفافية عمليات الميزانية لشرح وتوضيح أوجه صرف الدعم المباشر للميزانية،

وهذا الضغط الدولي للمساءلة عن الميزانية يفرض مطالب ملحة على الوظيفة الرقابية للبرلمانات لضمان فعالية وشفافية النفقات الحكومية.  ويعتمد نجاح أي استراتيجية للتنمية الاقتصادية على المؤسسات الخاضعة للمساءلة والتي تبادر بالاستجابة.  وحين تضع الحكومات برامج التنمية الخاصة بها، فمن المهم أن تلعب البرلمانات دوراً رئيسياً في تشكيل الاستراتيجيات الاقتصادية والتنمية في بلادها.  فالبرلمانات هي مؤسسات تمثيلية، ومن ثم يمكنها أن تضمن إدراج مصالح طائفة واسعة من المجتمع في المناقشات بشأن المستقبل الاقتصادي للبلد، وإدارة النقاش حول القضايا الخلافية من خلال عمليات اللجان المؤسسية.

ومن المهم أيضا ملاحظة العلاقة بين البرلمان المانح والحكومة المانحة وكذا العلاقة بين البرلمان المانح والشريك أو برلمان البلد المتلقي. 

للمساعدة في تحقيق فعالية المعونة، يجب القيام بجهد، ليس فقط في البلدان المتلقية ولكن أيضاً في البلدان المانحة، إذا أراد البرلمان أن يشارك بنشاط في دورات المعونة المختلفة، من رسم السياسات إلى تنفيذها واستعراضها.  فيجب على البرلمانات المانحة، على سبيل المثال، رصد التزام الحكومة المانحة الفعّال ببرنامج عمل فعالية المعونة والخطوات التي اتخذتها في هذا الصدد.  ويتعين عليها، في جملةأمور، حث الحكومات المانحة بالانخراط في بداية دورة المعونة مع البرلمانات الشريكة، وهو الأمر الذي نادراً جداً ما يحدث.  وتظل برلمانات البلد المتلقي في كثير من الأحيان مهمشة فيما يخص اتفاقات دعم التنمية وتنفيذها، على الرغم من أهميتها بالنسبة للمواطنين. 

وفي البلدان التي لم تصل آليات المساءلة المحلية فيها بعد إلى مرحلة النضج، يمكن للبرلمانات المانحة الدعوة أيضاً إلى تخصيص جزء من المعونة لتعزيز مؤسسات المساءلة المحلية مثل ديوان المحاسبة وآليات التدقيق البرلماني، بما في ذلك المؤسسات العليا للتدقيق ولجان الحسابات العامة - ويكتسب ذلك أهمية خاصة عندما يتم توفير الدعم المباشر للميزانية.  ولا يقتصر الهدف من ذلك على ازدهار الحكم الديمقراطي فحسب، ولكن أيضاً الوصول إلى نتائج أفضل للمعونة وتحقيق الفاعلية والكفاءة في استخدام الأموال العامة من الجهات المانحة.