لمن القانون في لبنان؟ أو ماذا بقي من مجالات للقانون في لبنان؟

Portrait de AGORA moderator

للسنة الثانية على التوالي، نظمت المفكرة في20/12/2013 ندوة للتباحث في أبرز جوانب الحياة القانونية في لبنان تحت عنوان: "لمن القانون في لبنان؟"ومن يقرأ هذا العنوان، يعِ أن المقصود طبعاً هو تحديد الجهة التي تتحكم بدرجة أو بأخرى بأدوات إنتاج القوانين في لبنان، أي الجهة التي تخرج الى حد كبير منتصرة من الصراعات المعلنة أو غير المعلنة، المباشرة أو غير المباشرة، في هذا البلد. وخلال المؤتمر، ومع قراءة الأوراق الواحدة في إثر الأخرى، بدا هذا التساؤل غير كاف لشرح ما يحصل على أرض الواقع، بل لا بد من أن يرافقه تساؤل آخر قد يكون أكثر عمقاً وإنتاجية، مفاده: "ماذا بقي من مجالات لحكم القانون في لبنان؟".

فالسلطة التشريعية التي أخذنا عليها ضآلة الإنتاج لدى مراجعة محصولها من القوانين في 2011 و2012، اكتفت بوضع قانونين في 2013، الأول لتعليق مهل الترشح للمجلس النيابي، والثاني لتمديد ولاية المجلس النيابي من قبل نفسه. فبدت السلطة صانعة التشريعات وكأنها تحولت الى سلطة self serviceمن دون أي تطلعات عامة.

أما الأجهزة الحكومية فقد بات عملها بعد استقالة الحكومة مؤشراً على بعثرة السلطة بأشكال مختلفة. فبدل أن تحد استقالة الحكومة من صلاحية الوزراء، وجد بعضهم فيها مناسبة لتوسيع أنشطتهم بحجة الاضطرار لاتخاذ القرارات بغياب الحكومة. ولم يحصل ذلك فقط على صعيد الوزراء من ذوي الحقائب وحسب، بل أيضاً على صعيد رئيس مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية اللذين تعمدا اللجوء الى المراسيم الجوالة بدلاً من المراسيم الواجب صدورها عن مجلس الوزراء. فضلاً عن ذلك، فقد تميزت هذه السنة بعدد من المواقف التي شكلت نماذج فاقعة عن ضرب مبادئ التسلسل القانوني، كما حصل حين اتخذت الحكومة قراراً بإرجاء العمل في قانون السير.كما أن البعثرة بلغت أشدها مع دخول البلديات بقوة الى المشهد العام، من خلال أداء أدوار سرعان ما أخذت طابع الظاهرة الخارجة عن القانون، أهمها إطلاق اللافتات التي راحت تنتشر كالفطر بمنع الأجانب أو فئات منهم كالعمال أو اللاجئين السوريين من التجول خلال ساعات الليل. وفيما أخذت ردود الفعل إزاء التفجيرات الإرهابية طابعاً دفاعياً على صعيد الأحياء والطوائف، فقد بدا تعزيز دور البلديات في المجال الأمني وكأنه غطاء قانوني مقبول من الجميع لممارسة الأمن الذاتي من دون البوح بذلك. هذا بالطبع من دون نسيان حادثة الدكوانة، التي عمد رئيسها الى تعرية الموقوفين للتأكد من هوياتهم الجنسية، صوناً لبلديته كقلعة صمود.

وعلى صعيد القضاء، فإن المشهد بلغ حداً سريالياً مع شلّ المجلس الدستوري تبعاً لاستخدام ثلاثة أعضاء منه قدراتهم في تعطيل نصابه القانوني إرضاءً لمطالب زعماء سياسيين. والواقع أن هذه الحادثة تشكل صورة كاريكاتورية جد بليغة لسواد سياسة التدخل السياسي في القضاء في شكله الناعم softفي لبنان. فكأنما المجلس الدستوري يعلن تماهيه مع مقتضيات النظام السائد: فأن يعرض المجلس عن النظر في طعن بسبب تغيّب متعمد من ثلاثة من أعضائه (الربع المعطل)، إنما يعني قبل كل شيء فتح الباب لاعتماد قواعد التوافقية داخل القضاء، مع ما يفترضه ذلك من تغيّر لفهم أصول العمل القضائي والوظيفة القضائية. فتبعاً لذلك، تنصهر هذه الوظيفة في بوتقة النظام اللبناني الذي يسخّرها لخدمته بدل أن تكون ضابطاً أو مطوراً له.

وقد بدا اعتداء الجيش على أحد القضاة العدليين وما أعقبه من مواقف مهادنة من رئيس مجلس القضاء الأعلى (الذي زار قائد الجيش غداة الحادثة) ومن المجلس نفسه، ذا رمزية عالية، وبمثابة دليل إضافي على غلبة القوة على القانون. وكان من الطبيعي تالياً أن تولد هذه الحادثة ردة فعل لدى القضاة الذين تداعوا للمرة الأولى في إثرها لإنشاء جمعية تضمن استقلاليتهم إزاء مختلف أشكال الاستباحة. ومن المعبّر جداً أن يصبح إنشاء جمعية للقضاة العنوان الأساسي لإصلاح القضاء، في موقف لافت يعبّر عن تغليب البحث عن ضمانات فعلية للاستقلالية على السعي لإقرار ضمانات قانونية من مشرّع لا يعمل.

وقد طرحت دراسة ملفات الأحكام الصادرة في قضايا عاملات المنازل في 2013 والتي عرضت في المنتدى كنموذج لرصد أعمال القضاء في قضايا التهميش، التساؤل نفسه بخصوص المجالات التي بقيت لحكم القانون في لبنان. فماذا يعني أن يكون بالإمكان توقيف عاملة بناءً على شكوى صاحب عملها وترحيلها قبل محاكمتها، فيما يشبه صناعة واضحة للمحاكمة الغيابية؟ وألا يشكل ذلك مؤشراً بالغ الدلالة على أن نظام الكفالة بما له من تداعيات وصل في هذه الحالة الى إغراق العاملات في"اللاقانون"؟

نُشر في العدد الثالث عشر من مجلة المفكرة القانونية

رسم رائد شرف

http://www.legal-agenda.com/newsarticle.php?id=585&folder=legalnews&lang...